صفي الرحمان مباركفوري
160
الرحيق المختوم
المرحلة الأولى الحالة الراهنة في المدينة عند الهجرة لم يكن معنى الهجرة هو التخلص من الفتنة والاستهزاء فحسب ، بل كانت الهجرة مع هذا تعاونا على إقامة مجتمع جديد في بلد آمن . ولذلك أصبح فرضا على كل مسلم قادر أن يسهم في بناء هذا الوطن الجديد ، وأن يبذل جهده في تحصينه ورفعة شأنه . ولا شك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هو الإمام والقائد والهادي في بناء هذا المجتمع ، وكانت إليه أزمة الأمور بلا نزاع . والأقوام التي كان يواجهها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في المدينة كانت على ثلاثة أصناف ، يختلف أحوال كل واحد منها بالنسبة إلى الآخر اختلافا واضحا ، وكان يواجه بالنسبة إلى كل صنف منها مسائل عديدة غير المسائل التي كان يواجهها بالنسبة إلى الأخرى . وهذه الأصناف الثلاثة هي : 1 - أصحابه الصفوة الكرام البررة رضي اللّه عنهم . 2 - المشركون الذين لم يؤمنوا بعد ، وهم من صميم قبائل المدينة . 3 - اليهود . أ - والمسائل التي كان يواجهها بالنسبة إلى أصحابه هو أن ظروف المدينة بالنسبة إليهم كانت تختلف تماما عن الظروف التي مروا بها في مكة ، فهم في مكة وإن كانت تجمعهم كلمة جامعة ، وكانوا يستهدفون إلى أهداف متفقة ، إلا أنهم كانوا متفرقين في بيوتات شتى ، مقهورين أذلاء مطرودين ، لم يكن لهم من الأمر شيء ، وإنما كان الأمر بيد أعدائهم في الدين ، فلم يكن هؤلاء المسلمون يستطيعون أن يقيموا مجتمعا إسلاميا جديدا بمواده التي لا يستغني عنها أي مجتمع إنساني في العالم ، ولذلك نرى السور المكية تقتصر على تفصيل المبادئ الإسلامية ، وعلى التشريعات التي يمكن العمل بها لكل فرد وحده ، وعلى الحث على البر والخير ومكارم الأخلاق ، والاجتناب عن الرذائل والدنايا .